ما هي اضطرابات الإدمان وتعاطي المواد المخدرة؟
للمواد المخدرة والمؤثرة على المزاج من عقاقير، مشروبات كحولية و أفيونات تأثير لا يُختلف عليه على الصحة النفسية و الجسدية بداية من التغيرات في المزاج و أنماط السلوك و التفكير التي يتسبب بها العقار خلال فترة التأثير عند الاستعمال، و انتهاء بالتغيرات الدائمة وشبه الدائمة الناتجة عن تضرر الدماغ و النواقل العصبية بسبب الاستخدام المستمر لهذه العقاقير.
اضطرابات الإدمان وتعاطي المواد المخدرةAddiction and Substance abuse disorders هي مجموعة من الحالات النفسية التي تتسم باستخدام للمواد المخدرة أو المنشطة أو بعض العقاقير خارج إطار الاستخدام الطبي لها ، مما يؤدي إلى الإدمان التبعية الجسدية والنفسية.
تشمل هذه الاضطرابات تعاطي المواد بشكل مستمر رغم العواقب السلبية، وعدم القدرة على التحكم في استخدامها، مما يؤدي إلى تأثيرات خطيرة على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية .
ما هي أنواع اضطرابات الإدمان والتعاطي؟
اضطراب استخدام المواد المخدرة "الادمان" (Substance Use Disorders - SUDs)
و هو اضطراب ناتج عن الاستخدام المستمر الطويل للمواد المخدرة مما يؤدي إلى الإدمان و اضطرابات على المدى الطويل.
يظهر هذا الاضطراب على شكل:
- تطور التحمل (Tolerance)، حيث يحتاج الشخص إلى كميات أكبر من المادة للحصول على التأثير نفسه،
- أعراض الانسحاب (Withdrawal Symptoms) عند التوقف عن التعاطي، مما يجعل التوقف صعبًا دون علاج متخصص.
تشمل المواد التي يمكن أن تسبب هذا الاضطراب:
الكحول
يؤدي تعاطي الكحول المزمن إلى الاكتئاب، القلق، وتلف الجهاز العصبي المركزي. و يمكن أن يسبب فقدان الذاكرة، أمراض الكبد مثل التليف الكبدي، واضطرابات القلب.
المواد الأفيونية (مثل الهيروين والمورفين و الفنتانيل)
تعمل هذه المواد على تثبيط الجهاز العصبي المركزي، مما يسبب الاسترخاء والتسكين الشديد للألم. و يؤدي تعاطيها المستمر إلى الإدمان الجسدي والنفسي بسرعة كبيرة. و عند الاستخدام المفرط قد تسبب الموت.
المنشطات (مثل الكوكايين والميثامفيتامين)
تزيد هذه المواد من مستويات الدوبامين في الدماغ، مما يسبب الإثارة، زيادة النشاط، وتقليل الحاجة للنوم. و لكن عند الاستخدام المستمر تسبب نوبات قلق شديدة، هلاوس، وسلوكيات عدوانية أو ذهانية. و يمكن أيضا ان تسبب مشاكل في القلب، ارتفاع ضغط الدم، وسكتات دماغية.
المهدئات والمنومات (مثل البنزوديازيبينات والباربيتورات)
تعمل هذه المواد على تهدئة الجهاز العصبي وتستخدم لعلاج القلق والأرق، لكنها تسبب الإدمان عند الاستخدام طويل الأمد. تسبب هذه المواد تحمل الجسم لها مع زيادة الاستخدام مما يدفع المدمن لزيادة الجرعة لضمان التأثير، مع استمرار زيادة الجرعة يصل المريض للجرعة القاتلة حيث تؤدي الى الغيبوبة و الوفاة بسبب توقف التنفس.
الحشيش والمواد المخدرة الأخرى
يُستخدم الحشيش بشكل واسع، لكنه قد يسبب اضطرابات معرفية، قلق مزمن، وضعف في الذاكرة، خاصة عند التعاطي لفترات طويلة أو استخدامه في سن يافع. يرتبط الاستخدام المكثف بزيادة خطر الإصابة بالذهان أو الفصام.
و يسبب أيضاً الإدمان النفسي، وقد يؤدي إلى فقدان الحافز، واضطرابات النوم، واضطراب المزاج.
اضطرابات التسمم والانسحاب (Substance-Induced Disorders)
اضطرابات التسمم والانسحاب هي مجموعة من الحالات النفسية والجسدية الناتجة عن التأثير المباشر للمواد المخدرة على الجهاز العصبي المركزي. تحدث هذه الاضطرابات إما بسبب الاستخدام المفرط للمادة (التسمم) أو بسبب التوقف المفاجئ عن استخدامها بعد فترة طويلة من التعاطي (الانسحاب)، مما يؤدي إلى أعراض شديدة تؤثر على الصحة الجسدية والنفسية.
و تشمل:
التسمم (Substance Intoxication)
التسمم هو حالة حادة ومؤقتة تحدث عند تناول كميات كبيرة من المادة المخدرة، مما يؤدي إلى اضطرابات في الإدراك، المزاج، السلوك، والجهاز العصبي. تختلف الأعراض حسب نوع المادة المستخدمة، لكنها قد تشمل:
-
اضطرابات عقلية: هلاوس، ارتباك، فقدان الوعي.
-
مشاكل سلوكية: عدوانية، تقلبات مزاجية، سلوكيات غير منطقية.
-
أعراض جسدية: غثيان، قئ، دوخة، تغيرات في معدل ضربات القلب وضغط الدم.
-
خطر الجرعة الزائدة: في بعض الحالات، قد يؤدي التسمم إلى فقدان الوعي، الغيبوبة، أو الوفاة بسبب تثبيط وظائف الجهاز التنفسي أو القلب.
أمثلة على التسمم بالمواد المختلفة:
-
التسمم بالكحول: بطء في الحركة، ضعف التنسيق، كلام متداخل، فقدان الوعي في الجرعات العالية.
-
التسمم بالمواد الأفيونية (مثل الهيروين و الفنتانيل): بطء التنفس، فقدان الوعي، انخفاض ضغط الدم، خطر التوقف القلبي.
-
التسمم بالكوكائين والمنشطات: فرط النشاط، ارتفاع ضغط الدم، جنون العظمة، زيادة خطر الإصابة بالسكتة القلبية.
الانسحاب (Substance Withdrawal)
يحدث الانسحاب عندما يتوقف الشخص عن تعاطي مادة معينة بعد استخدامها لفترة طويلة، مما يؤدي إلى أعراض جسدية ونفسية مؤلمة. تختلف شدة الأعراض حسب نوع المادة، مدة التعاطي، و جرعة الاستخدام.
و تشمل الأعراض الشائعة للانسحاب:
-
أعراض جسدية: رعشة، تعرق مفرط، آلام في العضلات، اضطرابات النوم، غثيان وقيء.
-
أعراض نفسية: قلق، اكتئاب، نوبات هلع، رغبة شديدة في التعاطي، تقلبات مزاجية.
-
أعراض خطيرة: في بعض الحالات، قد يؤدي الانسحاب إلى نوبات صرع، هلاوس، ارتفاع حاد في ضغط الدم، أو حتى الوفاة (مثل انسحاب الكحول أو البنزوديازيبينات).
مثلا:
-
انسحاب الكحول يسبب قلق، ارتعاش، ارتفاع ضغط الدم، هلوسات، وقد يؤدي إلى "الهذيان الارتعاشي" (Delirium Tremens) وهو حالة خطيرة تهدد الحياة.
-
انسحاب المواد الأفيونية يسبب آلام حادة في الجسم، إسهال، تعرق شديد، غثيان، اكتئاب حاد.
-
انسحاب المنشطات (مثل الكوكايين والأمفيتامينات)يسبب إرهاق شديد، اكتئاب، أفكار انتحارية، زيادة الشهية.
اضطراب الإدمان السلوكي (Behavioral Addictions)
لا يقتصر الإدمان على تعاطي المواد المخدرة، بل يمكن أن يحدث إدمان سلوكي يتميز بعدم القدرة على التحكم في ممارسة نشاط معين رغم العواقب السلبية على الحياة اليومية. يشترك الإدمان السلوكي مع إدمان المواد في تنشيط نفس مناطق الدماغ المرتبطة بالمكافأة والدوبامين، مما يجعل الشخص يشعر بالمتعة مؤقتًا، لكنه يعاني لاحقًا من الرغبة القهرية في تكرار السلوك وعدم القدرة على التوقف، مما يؤدي إلى مشاكل نفسية، اجتماعية، ومالية.
بعض أمثلة الإدمان السلوكي:
إدمان القمار (Gambling Addiction)
يُعد إدمان القمار من أكثر أنواع الإدمان السلوكي شيوعًا، و يظهر على الشخص المصاب بالهوس بالمقامرة وعدم القدرة على التوقف حتى عند خسارة مبالغ كبيرة.
-
تشمل الأعراض:
-
التفكير المستمر في المقامرة والتخطيط للرهانات.
-
الشعور بالاندفاع لمواصلة اللعب لتعويض الخسائر.
-
الكذب على العائلة والأصدقاء حول مدى التأثر بالمقامرة.
-
الوقوع في مشاكل مالية واجتماعية نتيجة فقدان السيطرة على السلوك.
إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية (Internet & Gaming Addiction)
يتمثل في الاستخدام المفرط للإنترنت و الألعاب الإلكترونية لدرجة تؤثر سلبًا على الحياة اليومية.
غالبًا ما يعاني المصابون بهذا الاضطراب من:
-
إهمال الأنشطة الحياتية مثل الدراسة أو العمل بسبب قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات.
-
الانسحاب الاجتماعي والتواصل المحدود مع العائلة والأصدقاء.
-
التوتر والقلق عند محاولة تقليل وقت اللعب أو التوقف عنه.
-
اضطرابات النوم والمشاكل الصحية مثل الإرهاق وآلام الظهر والصداع بسبب الجلوس لفترات طويلة.
ما هي أسباب اضطرابات الإدمان ؟
هنالك بعض العوامل التي قد تساهم في زيادة فرصة حدوث الإدمان و تشمل
العوامل الجينية والبيولوجية
و تشمل وجود تاريخ عائلي للإدمان مما يزيد من خطر الإصابة، كذلك اختلالات كيمياء الدماغ، مثل انخفاض مستويات الدوبامين، مما يدفع الشخص للبحث عن التحفيز من خلال المواد المخدرة.
العوامل النفسية
الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية تزيد الاستعداد للإدمان مثل القلق والاكتئاب واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD). ، التوتر والضغوط النفسية ايضا قد تدفع بعض الأفراد لاستخدام المخدرات كوسيلة للهروب.
العوامل البيئية والاجتماعية
كأن ينشأ الشخص في بيئة أسرية غير مستقرة أو وجود تاريخ من الإساءة الجسدية أو العاطفية، و كذلك سهولة الوصول للمخدرات و الاحتكاك بالمدمنين من أصدقاء و بعض أفراد العائلة.
متى يصبح التعاطي اضطرابًا؟
ليس كل شخص يتعاطى المواد المخدرة أو الكحول يعاني من اضطراب تعاطي المواد. يتم التشخيص عندما:
-
يفقد الشخص القدرة على التحكم في التعاطي.
-
يستمر في التعاطي رغم المشاكل الصحية أو الاجتماعية.
-
يواجه صعوبة في أداء وظائفه اليومية بسبب التعاطي.
-
يعاني من أعراض انسحابية عند محاولة التوقف.
كيف تعرف أنك تعاني من اضطراب التعاطي ؟
قد يكون من الصعب التعرف على الإدمان في مراحله الأولى، لكن هناك بعض العلامات التحذيرية، مثل:
-
الشعور برغبة شديدة أو قهرية لتعاطي المادة وفقدان السيطرة على كمية المادة المستخدمة.
-
الكذب لإخفاء هذه العادة أو مدى استخدام المادة المخدرة.
-
الفشل في الإيفاء بالمسؤوليات الشخصية أو المهنية بسبب التعاطي.
-
استمرار التعاطي رغم العواقب السلبية.
-
أعراض انسحاب جسدية أو نفسية عند التوقف عن استخدام المادة.
كيف يتم تشخيص اضطرابات تعاطي المواد؟
عادةً ما يتم التشخيص عندما يظهر الشخص سلوكيات مستمرة في تعاطي المادة رغم تأثيراتها الضارة، وعندما يعاني من أعراض مثل الاعتماد الجسدي والنفسي، وتكرار محاولات الإقلاع دون نجاح، وأعراض الانسحاب عند التوقف عن التعاطي.
يتم التشخيص عند استيفاء اثنين أو أكثر من المعايير التالية خلال مدة سنة على الأقل:
-
استخدام المادة بكمية أكبر أو لفترة أطول مما كان مقصودًا.
-
محاولات متكررة غير ناجحة للتوقف أو التحكم في التعاطي.
-
قضاء وقت طويل في الحصول على المادة أو تعاطيها أو التعافي من آثارها.
-
رغبة شديدة لاستخدام المادة.
-
الاستمرار في التعاطي رغم التأثير السلبي على العلاقات الاجتماعية أو العمل أو الدراسة.
-
الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية والمهنية بسبب التعاطي.
-
الاستمرار في التعاطي رغم معرفة العواقب الجسدية أو النفسية الضارة.
-
الحاجة إلى جرعات أكبر للحصول على التأثير نفسه
-
أعراض انسحابية عند التوقف عن استخدام المادة.
ما هي طرق علاج اضطرابات الإدمان؟
يختلف العلاج من شخص لآخر، ولكن هناك أساليب علاجية أثبتت فعاليتها، وتشمل:
العلاج النفسي
-
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد في التعرف على أنماط التفكير والسلوكيات التي تؤدي إلى التعاطي وتغييرها.
-
العلاج التحفيزي المعزز (MET): يهدف إلى زيادة الدافع الشخصي للإقلاع عن الإدمان.
-
العلاج الجماعي والدعم الاجتماعي: مثل مجموعات الدعم (مثل برنامج الـ 12 خطوة) التي توفر بيئة داعمة للأفراد في مرحلة التعافي.
العلاج الدوائي
-
مضادات الأفيونات (مثل النالتريكسون): تساعد في تقليل الرغبة في المواد الأفيونية والكحول.
-
أدوية الحد من أعراض الانسحاب مثل البوبرينورفين والميثادون.
-
مضادات الاكتئاب والقلق التي تساعد في علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة للإدمان.
إعادة التأهيل
في الحالات الشديدة، قد يحتاج المريض إلى دخول مركز إعادة تأهيل لتلقي العلاج في بيئة خاضعة للإشراف الطبي.